Monday, March 3, 2025

مأساة على مرأى العالم: غزة

 


غزة اليوم ليست مجرد مدينة تحت الحصار، بل هي ركام مدينة، حياة تُسلب أمام أعين العالم، وكأن صمتهم هو القبول الحتمي لهذه الكارثة.

لا يوجد نظام صحي فعال، لا مستشفيات قادرة على استقبال المرضى، ولا معدات طبية تكفي لإنقاذ الأرواح التي تتساقط كل يوم. الجرحى يُتركون لمصيرهم، والمرضى يواجهون الموت ليس بسبب المرض فقط، بل بسبب غياب أبسط الإمكانيات التي تعتبر بديهية في أي مكان آخر.

مياه الشرب، التي هي أساس الحياة، غير صالحة للاستخدام البشري، فلا توجد شبكات صرف صحي ولا محطات تحلية، ولا بنية تحتية تتيح للناس مجرد الحصول على ماء نظيف. غزة عطشى، والعالم يشاهد.

المدارس دُمرت، والمساجد لم تُستثنَ، ولم يبقَ للأطفال سوى الأنقاض ليتعلموا فيها دروس الحياة القاسية. الأحلام تحولت إلى رماد، والمستقبل يبدو سرابًا في مدينة لم تعد تشبه المدن.

البيوت مدمرة، والشوارع شبه مغلقة تحت جبال الركام، حتى الطرق التي كانت تربط بين الأزقة الضيقة لم تعد صالحة للسير. لا ملجأ لمن فقدوا منازلهم، ولا غذاء يكفي لإطعام الجائعين. الناس ينتظرون، لكن لا أحد يأتي.

العالم كله يرى ويسمع، لكنه يكتفي بالمراقبة، كأن غزة مجرد مشهد في نشرة الأخبار، تُعرض للحظات ثم تُنسى. لا حلول، لا تحركات جدية، فقط صمتٌ يقتل كما يفعل الدمار.

إلى متى يبقى هذا التجاهل؟ إلى متى يُترك أهل غزة ليصارعوا الموت وحدهم؟

البقاء في غزة


البقاء في غزة ليس خيارًا سهلًا، وليس قرارًا يمكن اتخاذه دون ثمن. مجرد البقاء هنا، في هذا المكان الذي ضاق بالوجع والدمار، هو صمود بحد ذاته. أن تستيقظ كل يوم وسط هذا الركام، أن تبحث عن الطعام والماء، أن تحاول أن تعيش ولو بنصف حياة، هذا بحد ذاته فعل مقاوم. لا يحتاج الإنسان أن يكون مقاتلًا حتى يكون مقاومًا، أحيانًا يكفي أن يكون على قيد الحياة رغم كل شيء.
لكن الصمود لا يعني أن نختار الموت المجاني، لا يعني أن نرمي أنفسنا إلى الموت دون سبب، أو أن نظل محاصرين داخل دوامة الألم بلا أمل ولا خطة. نحن بحاجة إلى أفعال أخرى مقاومة، أفعال تحمي ما تبقى منا، أفعال لا تجلب لنا مزيدًا من الدمار، بل تفتح لنا طريقًا للبقاء بكرامة، للبقاء ونحن أحياء، وليس مجرد أرقام تُحصى في نشرات الأخبار.
نحن نعرف أن العالم لا يرى كما نرى، ولا يشعر كما نشعر. لا أحد يفهم كيف تمر الدقائق هنا، كيف يتحول كل شيء بسيط إلى معجزة، كيف يصبح مجرد البقاء تحديًا يوميًا. العالم يتابع أخبارنا لكنه لا يعيشها، يسمع صرخاتنا لكنه لا يشعر بعمق الجرح. لهذا، لا يمكننا أن ننتظر من أحد أن يمد يده لإنقاذنا، علينا أن نتحمل مسؤوليتنا في أن نبقى ونعيش، في أن نجد طريقًا لا يجعلنا مجرد ضحايا في انتظار مصير محتوم.
صحيح أننا خسرنا الكثير، وخسرنا معارك لا تحصى، لكن خسارة معركة لا تعني أننا خسرنا الحرب، ولا تعني أن كل شيء قد انتهى. لا تزال هناك حياة، ولا يزال هناك من يتمسك بها، لا تزال هناك قلوب تنبض برغم كل شيء، لا تزال هناك إرادة، حتى لو كانت خافتة تحت الركام.
هناك من لا يزال هنا لأنه يريد أن يكون هنا، وهناك من لا يزال هنا لأنه لا يستطيع المغادرة حتى لو أراد. ليس الجميع يملك الخيار، ليس الجميع قادرًا على الرحيل، حتى لو كان الرحيل يعني الهروب من الموت إلى موت آخر ببطء.
لكن لنتحدث بصراحة… كثيرون يرغبون في الرحيل، ليس لأنهم خانوا الأرض أو تخلوّا عنها، بل لأنهم متعبون، مرهقون، خائفون، لم يعودوا قادرين على حمل المزيد من الألم. هؤلاء ليسوا أقل صمودًا، هؤلاء لم يفقدوا انتماءهم، بل فقدوا طاقتهم، فقدوا القدرة على الاحتمال.
وفي المقابل، هناك من يريد البقاء، ليس لأنه لا يشعر بالألم، بل لأنه متمسك بهذه الأرض رغم كل شيء. لأنه لا يستطيع أن يرى نفسه في مكان آخر، لأن هذا الركام ليس مجرد حجارة مهدمة، بل هو بيته، ذاكرته، حياته التي يعرفها.
بين من يبقى ومن يرحل، بين من يصمد ومن ينهار، بين من يحاول ومن يستسلم، لا أحد يملك الحق في إصدار الأحكام. كل شخص هنا خاض حربه بطريقته، وكل شخص دفع ثمنًا لا يمكن لأحد أن يفهمه إلا من عاشه.
لكن ما نعرفه جيدًا هو أننا لن نسمح بأن تتحول غزة إلى مجرد ذكرى. من بقي سيحاول أن يحيا، ومن رحل سيظل يحملها في قلبه. فالصمود ليس مجرد بقاء، الصمود هو أن نستمر بأي طريقة، بأي وسيلة، أن نجد طريقًا لا يجعلنا فقط أحياء، بل يجعلنا أحياء بكرامة.